ملا محمد مهدي النراقي
279
جامع السعادات
ثم إن المعرفة التي هي كمال حقيقي للانسان ليس كمال العلم وغايته ، إذ لا يتصور كمال العلم ونهايته إلا للواجب تعالى ، إذ كمال العلم إنما يتحقق بأمور ثلاثة : الأول - أن يحيط بكل المعلومات ، ولا يتحقق ذلك في علم البشر . إذ ما أوتي من العلم إلا قليلا ، بل العلم الذي يحيط بجميع المعلومات هو علم الله تعالى ، وعلم العبد إنما يتحقق ببعض المعلومات ، وكلما كانت معلوماته أكثر كان علمه أقرب إلى علم الله تعالى . الثاني - أن يتعلق بالمعلوم على ما هو به ، ويكون المعلوم منكشفا واضحا في غاية الانكشاف والوضوح ، بحيث لا يقبل انكشافا أتم منه . وهذا أيضا غير ممكن التحقيق في حق الإنسان ، إذ علمه لا يخلو عن كدرة وإبهام ، بل الكشف التام الذي هو غاية الظهور والانجلاء مختص بعلم الله تعالى : إذ معلوماته مكشوفة بأتم أنواع الكشف على ما هي عليها ، وعلم العبد له ببعض مراتب الانكشاف ، فكلما كان أجلى وأوضح وأتقن وأوفق للمعلوم في تفاصيل صفاته ، كان أقرب إلى علم الله . الثالث - أن يكون باقيا أبدا الآباد ، بحيث لا يتغير ولا يزول . وهذا أيضا مختص بعلم الله تعالى ، إذ علمه تعالى باق لا يتصور أن يختلف ويتغير ويزول وعلم الإنسان يتغير ويزول فكلما كان علمه بمعلومات لا تقبل التغير والانقلاب كان أقرب إلى علم الله تعالى . هذا ، ومن الكمالات للانسان : التحلي بفضائل الأخلاق والصفات ، لإيجابها صفاء النفس المؤدي إلى البهجة الدائمة والحرية ، أعني الخلاص من أسر الشهوات وغموم الدنيا والاستيلاء عليها بالقهر ، تشبها بالملائكة الذين لا تستغرقهم الشهوة ولا يستهويهم الغضب ، إذ رفع آثار الشهوة الغضب من النفس كمال حقيقي ، لأنه من صفات الملائكة ، ومن صفات الكمال لله سبحانه عدم تطرق التغيير والتأثير على حريم كبريائه ، فمن كان عن التغير والتأثر بالعوارض أبعد كان إلى الله أقرب . وأما القدرة ، فقد قال بعض العلماء : " أما القدرة فليس فليس فيها كمال حقيقي للعبد ، إذ القدرة الحقيقية لله ، وما يحدث من الأشياء عقيب إرادة العبد وقدرته وحركته ، فهي حادثة بأحداث الله تعالى . نعم له كمال من جهة